محمد متولي الشعراوي
10572
تفسير الشعراوي
ثم يُهدِّدهم بأسلوب ينمّ عن اضطرابه ، وأنه فقد توازنه ، اختلّ حتى في تعبيره ، حيث يقول { فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } [ الشعراء : 49 ] وسوف تدل على المستقبل مع أنه لم يُؤخّر تهديده لهم بدليل أنه قال بعدها : { لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ } [ الشعراء : 49 ] { مِّنْ خِلاَفٍ } [ الشعراء : 49 ] يعني : اليد اليمنى مع الرِّجْل اليُسْرى ، أو اليد اليسرى مع الرِّجْل اليمنى . وقوله : { وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ } [ الشعراء : 49 ] أوضحه في آية أخرى : { وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل } [ طه : 71 ] . فما كان جواب المؤمنين برب العالمين ؟ { قَالُواْ لاَ ضَيْرَ } أي : لا ضررَ علينا إنْ قتلتنا ؛ لأن مصير الجميع إلى الموت ، لكن إنْ كانت نهايتنا على يديك فوسف نسعد نحن بلقاء ربنا ، وتَشْقى أنت بجزاء ربك . كالطاغية الذي قال لعدوه : لأقتلنك فضحك ، فقال له : أتسخر مني وتضحك ؟ قال : كيف لا أضحك من أمر تفعله بي يُسعدني الله به ، وتشقى به أنت ؟ إذن : لا ضررَ علينا إنْ قُتِلْنا ؛ لأننا سنرجع إلى الله ربنا ، وسنخرج من ألوهية باطلة إلى لقاء الألوهية الحقة ، فكأنك فعلتَ فينا جميلاً ، وأسديتَ لنا معروفاً إذْ أسرعتَ بنا إلى هذا اللقاء ، وما تظنه في حقنا شَرٌّ هو عين الخير ، لذلك فَهِم الشاعر هذا المعنى ، فقال عنه : وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِماً . . . عَلى أَيِّ جَنْبٍ كانَ في اللهِ مَصْرعي